رودلف هس الزعيم النازي المثير للجدل

كان رودلف هيس أحد كبار القادة النازيين المقربين من أدولف هتلر ، والذي صدم العالم في ربيع عام 1941 بهروبه من ألمانيا بطائرة صغيرة وهبوطه في اسكتلندا على الأرض بمظلة ، وعندما تم القبض عليه ادعى أنه جاء لتقديم اقتراح سلام من ألمانيا ، وقد قوبل ذلك بالشك والدهشة وقضى معظم سنواته بعد الحرب في السجن .

الرجل المقرب من هتلر

كان هناك جدل كبير حول المهمة التي ذهب من أجلها هيس إلى بريطانيا ، وقد خلص البريطانيون في النهاية إلى أنه لا يملك سلطة للتفاوض وقد ثارت دائمًا شكوك حول دوافعه وحتى قوة عقله .

فلم يكن هناك أي شك أن هس كان شريك قديم لهتلر ، فقد انضم للحزب النازي ضمن مجموعة صغيرة هامشية كانت تعيش على حافة المجتمع الألماني ، وبعد أن تولى هتلر السلطة ارتفع هس حتى أصبح مساعدًا موثوقًا لهتلر ، وعند سفره لاسكتلندا كان العالم بأسره يعرف أنه ضمن دائرة المقربين من هتلر .

أدين هس في محاكمات نورمبيرغ بجانب مجموعة من مجرمي الحرب النازيين الآخرين الذين ظلوا على قيد الحياة ، وقضى باقي حياته في السجن وظل عقدين من حياته في سجن انفرادي ، وقد كان مثير للجدل حتى وفاته عام 1987 ، وحسب الرواية الرسمية فقد انتحر شنقًا عن عمر يناهز 93 عامًا ، وبعد وفاته تم دفنه في قبر عائلته في بافاريا وأصبح قبره مزار للنازيين في العصر الحديث .

حياته المبكرة

ولد والتر ريتشارد رادولف هيس في القاهرة بمصر في 26 أبريل 1894 ، وكان والده تاجرًا ألمانيًا عاش بمصر ، وقد تلقى هس تعليمه الأولي في مدرسة ألمانية بالإسكندرية ، ثم انتقل بعد ذلك إلى مدارس في ألمانيا وسويسرا ، وبدأ العمل في الأعمال التجارية التي سرعان ما توقفت بسبب اندلاع الحرب في جميع أنحاء أوروبا .

وخلال الحرب العالمية الأولى خدم هيس في وحدة المشاة البافارية ، وتلقى تدريب كطيار ، وعندما انتهت الحرب بهزيمة ألمانيا شعر بالمرارة مثله مثل العديد من الجنود الألمان ، وأدت جيبة أمله العميقة إلى انضمامه للحركات السياسية الراديكالية .

وقد أصبح من أوائل المنضمين للحزب النازي وأقام علاقة جيدة مع نجم الحزب الساطع “هتلر” ، حيث عمل معه كسكرتير وخادم شخصي في أوائل العشرينيات ، وقد تم حبسه مع هتلر عام 1923 في ميونخ بعد محاولة الانقلاب الفاشلة المشهورة باسم the Beer Hall Putsch ، وفي خلال تلك الفترة أملى عليه هتلر جزء من كتابه الشهير “كفاحي” .

وعندما وصل النازيون للسلطة أعطى هتلر مناصب هامة لهيس ، وفي عام 1923 تم تعيينه رئيسًا للجنة المركزية للحزب ، واستمرت ترقيته في السنوات التالية  وأصبح من القيادات العليا النازية ، حتى أن صحيفة نيويورك تايمز في عام 1934 قد أشارت إلى أنه هو أقرب خلف محتمل لهتلر .

وفي عام 1941 عرف بشكل رسمي أنه ثالث أقوى شخصية نازية بعد هتلر وهيرمان جورينج ، ولكن من المحتمل أن هيس كان قد فقد قوته بالرغم من أنه ظل مقرب من هتلر ، وبينما كان هيس يخطط للهروب من ألمانيا كان هتلر قد أجل عملية الأسد البحري ، وهي الخطة التي وضعها هتلر لغزو إنجلترا في العام السابق ، ولكنه حول اتجاهه نحو الشرق وقر  غزو روسيا .

الهروب إلى اسكتلندا

في 10 مايو 1941 اكتشف مزارع اسكتلندي وجود طيار ألماني ملفوف في مظلته على أرضه ، وكانت طائرته من نوع “ميسرسكهميت” قد تحطمت  في مكان قريب ، وقال في البداية أنه طيار عسكري يسمى ألفريد هورن ، وتم اجتجازه من قبل الجيش البريطاني .

وأخبر هيس محتجزيه أنه صديق لدوق هاملتون ، وهو أرستقراطي بريطاني وأحد الطيارين الذين شاركوا في دورة الألعاب الأوليمبية عام 1936 في برلين ، وربما اعتقد هس أن الدوق يمكن أن يساعده في التوصل لاتفاق سلام ، وأثناء احتجازه في المستشفى قابل دوق هاملتون وكشف عن هويته الحقيقية ، فاتصل الدوق على الفور برئيس وزراء بريطانيا وينستون تشرشل وأبلغه بأنه تعرف على هيس .

أعربت السلطات البريطانية عن دهشتها ، وقد تصدرت قصة وصول النازي رفيع المستوى عناوين الصحف حول العالم ، وتم نشر العديد من التكهنات حول دوافع هس الحقيقية ، فكانت إحدى النظريات التي تصدرت الصحف أن هيس كان يخشى من أن هتلر ينوي عمل تطهير لكبار الشخصيات النازية وربما كان هتلر يخطط لقتله ، وهناك نظرية أخرى هي أن هس قرر التخلي عن القضية النازية ومساعدة البريطانيين .

أما الرواية الرسمية البريطانية ، فتقول أن هس جاء من ألمانيا باقتراح للسلام ، ولكن بريطانيا لم يأخذوا هس على محمل الجد ، فعلى أي حال لم يكن البريطانيون في حالة مزاجية تسمح بمناقشة السلام مع هتلر ، وعلى جانب أخر تجاهلت السلطة النازية هروب هس وخرجت الرواية الرسمية لتخبر أن هس يعاني من الأوهام .

وقد كانت حالته العقلية موضع تساؤل فقد حاول في فترة الانتحار بالقفز من درابزين السلم وكسر ساقه ، وكان كثيرًا ما يحدق في الفضاء ويشك أن طعامه مسموم .

عقود من الآسر

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية خضع هس للمحاكمة في نورمبرج مع النازيين الآخرين عام 1946 ، وخلال الأشهر العشرة التي استمرت فيها المحاكمة بدا أن هس غير مهتم بما يدور حوله ، فقد كان يحدق في الفضاء معظم الوقت أو يقرأ في كتاب .

وقد تم الحكم عليه بالسجن مدى الحياة في أكتوبر عام 1946 ، وحكم على اثني عشر من النازيين الآخرين الذين يحاكمون بالإعدام شنقًا ، وحكم على آخرين بالسجن من 10 الى 20 سنة ، وكان هيس الزعيم النازي الوحيد الذي حكم عليه بالسجن مدى الحياة ، لقد نجا من عقوبة الإعدام بشكل رئيسي لأن حالته العقلية كانت مشكوك فيها ، كما أنه قد أمضى أكثر السنوات الدموية في العصر النازي وهو محبوس في إنجلترا .

قضى هس عقوبته في سجن سبانداو في برلين الغربية ، وقد مات عظم السجناء النازيين الآخرين وأفرج عن بعضهم ، وفي 1 أكتوبر 1966 وما تلاها كان هس هو السجين الوحيد هناك ، وقد سعت عائلته مرارًا لإطلاق سراحه ولكن الاتحاد السوفيتي الذي كان طرف في المحاكمة رفض .

وفاته

ظل سلوك هس في السجن غامض ، ولم يوافق على تلقى زيارات شهرية من أسرته إلا في الستينيات ، وفي بعض الأحيان كان يتم نقله ألى مستشفى عسكري بريطاني في ألمانيا للعلاج ، وفي 17 أغسطس 1987 وجد مشنوقًا في زنزانته بسلك كهربائي عن عمر يناهز 93 عامًا ، وبجانبه مذكرة كتب فيها عن رغبته في قتل نفسه .

سرت الشائعات بأن هس تم قتله لأنه أصبح مصدر إلهام للنازيين الجدد في أوروبا ، وقد تم الإفراج عن جسده وأقامت عائلته جنازته في مقبرة بافارية في أواخر أغسطس 1987 ، وأثناء الجنازة اندلعت مشاجرات بين الشرطة و 200 من النازيين الجدد المتعاطفين معه والذين ارتدوا زي الرايخ الثالت ، وقد أصبح موقع دفنه مكان لتجمع النازيين ولذلك قامت إدارة المقبرة في عام 2011 باستخراج رفاته وحرقه ونثر رماده في مكان مجهول في البحر .

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *