البندقية المدينة الغارقة

مدينة البندقية ، المدينة التاريخية الإيطالية المعروفة باسم “ملكة البحر الأدرياتيكي” ، على حافة الانهيار ، ماديا واجتماعيا ، وتتكون المدينة من 118 جزيرة صغيرة ، ولكنها تغرق بمعدل متوسط من 1 إلى 2 ملم في السنة ، وانخفض عدد سكانها بأكثر من النصف منذ منتصف القرن العشرين ، و كانت “المدينة العائمة” الشهيرة تتدهور باستمرار عام  بعد عام ، بسبب العمليات الطبيعية وخروج المياه باستمرار من تحت الأرض ، وعلى الرغم من الإعتقاد بتوقف هذا الحدث المقلق ، إلا أن بعض الدراسات الحديثة ، وجدت أن المدينة لا تغرق فحسب بل تميل أيضا جهة الشرق .

و بالتزامن مع ارتفاع منسوب البحر الأدرياتيكي في بحيرة البندقية تقريبا بمعدل 4 ملم (0.16 بوصة) سنويا ،  ووجدت الدراسة أن الجزء الشمالي من المدينة ينخفض بمعدل 2 إلى 3 ملليمترات (0.08 إلى 0.12 بوصة) ، بينما يغرق الجزء الجنوبي بمقدار 3 إلى 4 ملليمترات (0.12 إلى 0.16 بوصة) سنويا ، وتعد الفيضانات ظاهرة  شائعة لدى سكان البندقية ، و تحدث حوالى من 4 إلى 5 مرات في السنة ، و يضطر السكان حينها للمشي على ألواح خشبية من أجل البقاء فوق مياه الفيضانات في المناطق المفتوحة مثل ساحة سان ماركو ، و يُبنى حاليا نظام جديد من الحواجز لصد تلك الفيضانات بتكلفة مليارات اليورو .

انخفاض عدد السكان في البندقية
وفي القرن السادس عشر ، كانت البندقية واحدة من أكثر المدن كثافة سكانية في العالم ، وكانت المدينة تضم أكثر من 175.000 ساكن بعد الحرب العالمية الثانية ، وحاليا يبلغ عدد سكان البندقية الأصليين فى المتوسط 50.000 نسمة ، ويرجع هذا النزوح الجماعي إلى ضرائب العقارات وتكاليف المعيشة المرتفعة ، والسياحة الهائلة.

شكلت العزلة الجغرافية للبندقية مشكلة كبيرة ، مع عدم وجود سيارات ، حيث يتم نقل كل  شيء من و إلى المدينة عن طريق القوارب ، فأصبحت تكلفة البقالة أكثر ثلاث مرات من غيرها فى المناطق الساحلية المجاورة ، بالإضافة إلى تضاعف تكلفة العقارات ، أدى كل ذلك إلى انتقال العديد من سكان البندقية إلى المدن المجاورة في البر الرئيسي ، حيث تكلفة المنازل والطعام والمرافق أقل بمقدار الربع ، و نظرًا لطبيعة المدينة تحتاج المنازل إلى صيانة وتحسينات مستمرة بسبب الرطوبة العالية ومياهها المتزايدة ، و يحفز الغلاء الفاحش للعقارات الأثرياء على إمتلاكها لإرضاء النظرة الرومانسية لديهم حيال العيش فى البندقية ، و حاليا يقطن البندقية الأغنياء أو كبار السن ممن ورثوا المنازل ، بينما يغادر الشباب ، وسرعان ما يصبح السكان الأصليين نوعا مهددا بالانقراض .

السياحة تدمر البندقية
تساهم السياحة في الارتفاع الهائل لتكاليف المعيشة ونزوح السكان ، وارتفعت الضرائب لاحتياج المدينة لصيانة ضخمة من تنظيف قنوات المياة إلى ترميم المباني والتخلص من النفايات ورفع الأساس  ،  كما  زاد عدد الفنادق ودور الضيافة بأكثر من 600 في المائة ، كما قلت المساكن بعد صدور قانون 1999 الذى سهل تحويل المبانى السكنية إلى أماكن للإقامة السياحية ، فأصبح التنقل من جزء إلى أخر بالمدينة مستحيل دون مواجهة جحافل من السياح ، حيث يتوافد أكثر من 20 مليون شخص على مدينة البندقية كل عام ، و من المتوقع زيادة هذه النسبة مع بدء توافد سياح من الدول ذات الاقتصاد المزدهر كالصين والهند والبرازيل إلى البندقية .

و خلال ال15 عام المنصرمة ، ازدادت حركة السفن السياحية إلى البندقية 440 % ، من 200 سفينة في عام 1997 إلى أكثر من 655 فى الوقت الحالى ، وللأسف مع وصول المزيد من السفن ، يغادر المزيد من سكان البندقية ، حيث تحول الاقتصاد بأكمله إلى صناعة قائمة على السياحة ، دون توفر أشكال أخرى من العمالة ، ومع المعدل الحالي من التراجع السكاني ، وبحلول منتصف القرن الواحد و العشرين  لن يكون هناك المزيد من أهل البندقية الأصليين في البندقية  ، وستتحول المدينة التي حكمت الإمبراطورية ذات يوم إلى مدينة ترفيهية.

المراجع:

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *