اغتيال رينهارد هيدريش

تولى رينهارد هيدريش منصبه كحاكم لمحمية بوهيميا ومورافيا نيابة عن الرايخ الثالث في 27 سبتمبر 1941 ، وكانت تلك المحمية ذات أغلبية تشيكية ، وبعد خمسة أيام فقط أعلن أن الأمن الخاص الألماني يهدف إلى ” ألمنة الهوامش التشيكية ” ، وقام بقتل عدد كبير جدًا من رجال ونساء وأطفال تشيكيون في عمليات إعدام واسعة النطاق ، ولذلك أُطلق عليه اسم سفاح براغ .

التخطيط للاغتيال

وفي نفس الشهر قام الرئيس إدوارد بينيس وهو رئيس حكومة تشيكوسلوفاكيا المؤقتة المقيمة بلندن ، بمقابلة المدير وحدة العمليات الخاصة التنفيذية SOE في لندن واستشارة حول إمكانية إرسال عملاء لاغتيال هيدريش ، فأعطى رئيس المخابرات البريطانية MI6 الإذن لجوبنز المحرك الرئيسي لفرقة العمليات الخاصة بتنظيم عملية اغتيال هيدريش ، وقد كان هيدريش هو الزعيم النازي الوحيد الذي حاول الحلفاء اغتياله .

ومن المثير للاهتمام أن أن جوبنز لم يخبر رئيس الوزراء وينستون تشرشل ووزير الخارجية أنطوني إيدن عن المؤامرة ، لأن إيدن كان يعارض بشكل خاص هذا النوع من العمليات وقد وصفه بأنه ” جرائم حرب “.

قامت المخابرات التشيكية في إنجلترا بتزويد عملاء مدربين من بريطانيا وهما جان كوبيس وجوزيف غابييك بالمعلومات اللازمة لتنفيذ عملية الاغتيال ، وقام الفريق المكون من كوبيس وغابيك والذي أطلق عليه اسم Anthropoid ، بالهبوط بالمظلات في التلال البوهيمية في 29 ديسمبر 1941 .

وخلال الوقت اللازم لتوظيف فريق الاغتيال ، قام الرجلين بدراسة تحركات هايدريش وعاداته ، فوجدوا أنه كان دائما يستخدم نفس المسارات بين محل إقامته في قلعة هرادكاني والمطار ، وكان دائماً يجلس في المقعد الأمامي لسيارته المرسيدس بجوار سائقة كلين وضابط في القوات الخاصة ، ولم يستخدم أي حراسة خاصة  .

المصادر الأولية

في سبتمبر 1941 قام جوبنز بإبلاغ ضابط المخابرات العسكرية التشيكية ” العقيد مورافيك ” أن الرئيس التشيكي طلب منه تنظيم عملية اغتيال لشخصية بارزة في المحمية ، وهذه الشخصية قد تكون هيدريتش نفسه .

فاستفسر العقيد مورافيك إذا ما كانت فرقة SEO البريطانية سوف تساعد في هذه العملية وتوفير مرافق التدريب وأي أسلحة مطلوبة للعملية ، وإذا ما كان المستهدف من العملية هو فعلًا هيدريش ، فأجاب جوبنز أن هيدريش يعتبر هدفًا مشروعًا وأن هذا النوع من الاغتيالات يعتبر عملًا سياسيًا محضًا ، ولكنه حتى لو لم ينجح فسوف يؤدي لأعمال انتقامية ضخمة .

التنفيذ

تم اختيار ضابطين غير رسميين في الجيش التشيكوسلوفاكي في إنجلترا للذهاب إلى المحمية وتنفيذ عملية الاغتيال ، وقد كان أحدهما وهو جوزيف كوبيك من سلوفاكيا وكان الأخر جان كوبيس من الأراضي التشيكية ، ولكن ذلك لم يكن مصادفة ولكنه كان مقصود كرمز إلى استمرار تبادل المصالح الوطنية التشيكية والسلوفيكية .

بدأت العملية الكبرى في 23 مايو 1942 ، عندما أعطت القوات التشيكية الأمر للرجلين بتنفيذ العملية ، وقاموا بتحديد المكان المناسب للمهمة وهو في ضاحية Holesovice حيث تتباطأ سيارة هيدريش استعدادًا للانعطاف .

فريق العملية

وفي الوقت المحدد كان فريق العملية في المنطقة المحددة حيث كان يقف رجل يدعى جوزيف فالسيك على بعد 100 يارده من المنعطف ويمسك بيده مرآه ويتظاهر أنه يمشط شعره وهو على استعداد لأن يومض بالمرآة حين تظهر سيارة هيدريتش .

وكانت صديقة غابييك وتدعى ريتا فافيك تقود سيارتها في اتجاه معاكس لسيارة هيدريتش ، وكان دورها أن تعطي إشارة إذا كان هناك سيارة واحدة أو سيارتين يسيران في موكب هيدريش من خلال وضع قبعتها أو رفعها .

وكان أدولف أوبالكا يقف على الرصيف الأيسر في الشارع مع الرجال الذين سيطلقون النار ، وكان كوبيك في الزاوية يراقب جوزيف فالسيك في انتظار الإشارة ، وعلى الرصيف الأيمن كان يقف كوبيس ومعه ثلاثة مظليين ، وكان جميع أعضاء الفرقة متواجدين في المكان منذ التاسعة صباحًا .

غادر هيدريتش القلعة في العاشرة صباحًا أي بعد نصف ساعة من الموعد المعتاد ، وكان كبير حراسه قد اضطر للتأخر لإنجاز بعض المهام ، وكان الضابط المرافق لهيدريش يحب السرعة فأمر السائق أن يقود بسرعة ، ولذلك لم يكن هناك أمل أن يلحق بهم كبير الحرس .

وبعد الساعة العاشرة والنصف وصلت الإشارة لفرقة التنفيذ (وميض المرآة) ، وعند المنعطف اندفع رجل من الفرقة إلى الشارع أمام سيارة هيدريش ، فاضطر السائق لتخفيف السرعة حتى يتفادى الارتطام به ، فقام غابييك بتوجيه مسدسه الذي كان يخفيه تحت معطف المطر إلى صدر هدريش وسحب الزناد بهدوء ، ولم يحدث شيئًا !

حيث أن حارس هدريش خرج بسرعة وقام بإطلاق النار على غابييك وأصابه برصاصتين في قدمه ، وانطلق سائق سيارة هدريش مسرعًا ليبتعد عن مكان العملية ، فقام أحد أعضاء فرقة الاغتيالات بإلقاء قنبلة يدوية باتجاه السيارة .

أصابت الشظايا هدريش وخرج السائق الذي لم يصب بأذى لمهاجمة غابييك ، الذي ألقى مسدسه وهرب والدماء تغطيه ، كما هرب من ألقى القنبلة على دراجته البخارية ، وباقي أعضاء الفرقة تم قتلهم في مكان الحادث ، وتم نقل هدريش إلى المستشفى .

وفاة هيدريش 

لم تكن حالة هيدريش خطيرة عندما وصل إلى  المستشفى فقد كانت الرصاصة التي أصابت جانبه غير خطيرة ، ولكن جسده كان مليء بالشظايا من أثر التفجير ، وتم فحصه وخضع لعملية طارئة ، ووضع تحت الحراسة المشددة ، وأفادت تقارير المستشفى أنه يتعافى بشكل جيد ، ولكنه فجأة أصيب بتسمم الدم وتوفي في 4 يونيو 1942 ، وكان هناك دليل على أن قنبلة بريطانية صغيرة هي التي سببت له التسمم .

الانتقام

كان مقتل هيدريش بداية لأعمال انتقامية واسعة النطاق ، تم اعتقال أكثر من ثلاثة آلاف فرد ، وأصدرت المحاكم العسكرية في براغ أكثر من 1350 حكمًا بالإعدام ، وكان بعض من خططوا للاغتيال قد وجدوا ملجأ في كنيسة سان شارل في بوروميو ، وكان هناك أيضًا أكثر من مائة عضو من حركة المقاومة التشيكية يختبئون فيالكنيسة  ، وقد اكتشف الجستابو وجود هذا المخبأ ، وقاموا بمحاصرته وقتلوا جميع من في الكنيسة .

وتوقف التحقيق في القضية بسرعة ، وتم استخدام هذه العملية لتعقب شبكات المقاومة ، وفي يوم  الاغتيال تم إعدام 150 يهوديًا في برلين بهدف الانتقام .

وتم شن حملة اغتيالات عملاقة ضد الشعب التشيكي ، حيث تم إعدام آلاف بطريقة وحشية ، وتم القبض على النساء وتفريقهم عن أطفالهم ، وتم إرسال أكثر من 300 ألف تشيكي إلى معسكرات الاعتقال ، ولم يظل منهم سوى 75 ألف فقط على قيد الحياة ، وكانت تلك العمليات تتلقى دعم كبير من الحكومة في ألمانيا ، وفي اليوم الذي اضطر فيه النازيون لمغادرة تشيكوسلوفاكيا زعموا أنهم قتلوا 360 ألف ضحية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *